أحمد بن محمد ابن عربشاه

422

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

أخطأت وعن مرضاة الملك أبطأت ، فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك ولم يجنى ، فلا بأس أنك تستشيره ، فإنك ناصحه ومشيره ، وإن كان لا بدّ من قتلى ، واستقر الرأي على نبلى وبتلى « 1 » ، فاستمهله إلى أن أضع ، ثم تهلك الأم وتبقى التبع ، فإنه كان يعطى النذور والأموال ويطلب الولد في ظلمات الليال ، ويدعو بذلك ربه ذا الجلال ، فعرض الوزير على الملك ذلك فأبى ، واستعمل في ضروب ضربه أحدّ عبارة وترفّق فنبا « 2 » ، فعرف أن أخلاقه ثائرة وأنه لا بدّ أن تطفأ تلك النائرة ، فإذا برد قلبه وهمد كربه ، يطالبه بالفرع إن لم يطلب الأصل ، وبعد القطع لا يمكن الوصل كما قيل : طوى الموت ما بيني وبين أحبّتى * وليس لما تطوى المنية ناشر فرأى الوزير الرأي في التأخير ، فأودعها عند الحريم وسلك في الحزم الرأي القويم ، وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية ، فوضعت ولدا ذكرا أغصن بان مثمرا قمرا ، فقام الوزير بتربيته وإصلاح رضاعه وأغذيته ، إلى أن بلغ سبع سنين ، وهو كبدر الأفق المبين مربى بالدلال ، مغذى بالكمال فكأنه فيه قيل : جبين تحار الشمس من لمعانه * وقد يغار الغصن من حركاته وخد تعالى الله لست مشبّها * ولا مشركا أضداده في صفاته رمى مهجة المضنى بأسهم لحظه * فنام عليلا وهو في سكراته فركب كسرى في بعض الأوقات ، وخرج يصطاد في بعض الجهات ، فتبدد العسكر وصار كالحجيج إذا نفر ، ووقع كسرى في ناحية عن العسكر منفردا ، فصادف غزالين يسوقان ولدا ، ويذكر أن في ذلك القاع ما قاله عدى ابن الرقاع « 3 » :

--> ( 1 ) ضربني بالنبال ، وقطع رقبتي ، أي هلاكى . ( 2 ) أي سبه بأقذع الشتائم . ( 3 ) عدى بن الرقاع ، العاملي الشاعر ، مدح الوليد بن عبد الملك ، وهاجى جرير وكان آية في الشعر . سير أعلام النبلاء ( 671 ) .